هل نحتاج حقًا إلى فعل المزيد؟ | عندما نكتشف ما يستحق وقتنا

مرحبًا يا أصدقاء.

 هل تذكرون مقالتي السابقة بعنوان "هل نركض كثيراً لنبقى في المكان نفسه؟ | وهم الانشغال والتخطيطالمرن

لقد كتبتها بحماس واندفاع شديدين، لدرجة أنني نسيت تماماً أن أبوح لكم بالسر الحقيقي وراءها!

في الحقيقة، تلك المقالة لم تكن مجرد أفكار عابرة، بل كانت نتيجة قراءة عميقة لكتاب مذهل بدأت رحلتي معه مؤخراً، ويحمل اسم "متفرغ للتركيز" (Free to Focus). لم أرد أن أكتب لكم "ملخصاً" جافاً، بل أردت أن أنقل لكم عصارة ما تعلمته، وأشارككم تجربتي المتواضعة، وكيف لامست هذه الأفكار واقعي.

كتاب Free to Focus لمايكل حيات | دليلك للإنتاجية والتركيز في عصر المشتتات

الكتاب مصمم بطريقة جميلة، وينقسم إلى ثلاثة أجزاء رئيسية، يتفرع كل منها إلى فصول فرعية. وفي السابق، عندما كنت أبدأ بقراءة كتاب عميق يحتاج إلى تفكير واستيعاب، كنت أتفق مع صديقتي لنقرأه معاً. كنا نلتقي بين الحين والآخر، ونتبادل أطراف الحديث، ونغوص في تفاصيل الفصول حتى تتشرب عقولنا المعلومات، وأستطيع تطبيقها فعلياً على أرض الواقع. كانت تلك الجلسات طريقتي المفضلة لهضم الأفكار وتحويلها من مجرد كلمات في صفحات إلى شيء يمكنني تجربته في حياتي.

لكن الآن، ولظروف خاصة تمر بها صديقتي، لم تعد تلك اللقاءات المثرية ممكنة. وجدت نفسي أقرأ هذا الكتاب العميق، والأفكار تتزاحم في داخلي، فقررت أن تكونوا أنتم شركائي في هذه الرحلة! قررت أن أكتب لكم عما أقرأه، وأنقل لكم تجربتي مع كل جزء من هذا الكتاب، لنتبادل أطراف الحديث معًا هنا في المدونة.

وبصراحة، لا أعلم متى سأنتهي من قراءته؛ هل سأتمكن من ختمه قبل نهاية هذا العام، أم أنه سيحزم أمتعته ليرافقني إلى عام 2027؟ لست مستعجلة، فالمهم بالنسبة لي أن نستمتع ونستفيد، خطوةً بخطوة. واليوم، أريد أن أشارككم ما تعلمته من الكتاب، والذي جعلني أتوقف لأسأل نفسي سؤالًا بسيطًا، لكنه أعمق مما يبدو: قبل أن نبحث عن طريقة لإنجاز المزيد، هل نتوقف لنسأل: ماذا يستحق وقتنا أصلاً؟

هل لاحظتم كيف نتصرف عندما نشعر بتراكم المهام وتأخرنا في الحياة؟ نبدأ فوراً بإضافة المزيد: قائمة مهام أطول، تطبيق جديد للتخطيط، أو وعود بساعات عمل إضافية. كنت أظن، مثل كثيرين، أن المشكلة في الإنتاجية تعني أنني لا أنجز ما يكفي، وأن الحل هو أن أحاول حشر المزيد من الأشياء داخل اليوم نفسه.

لكن قراءتي لهذا الجزء من الكتاب "متفرغ للتركيز" (Free to Focus) لمايكل هايات جعلتني أتوقف تماماً. عنوان الفصل يحمل عنوان Evaluate — التقييم، وينطلق من سؤال أكثر واقعية: أين أنا الآن؟ أدركت أنني لا أستطيع أن أرسم طريقاً واضحاً إلى المكان الذي أريده إذا كنت لا أعرف أصلاً أين أقف.

وقبل أن أغير جدولي، أو أضيف عادة جديدة، أو أبحث عن طريقة أسرع لإنجاز المهام، ربما عليّ أن أنظر أولًا إلى الأشياء التي تملأ يومي وأسأل نفسي: هل تستحق كل هذه المساحة من وقتي وطاقتي؟ وهنا بدأت أشعر أن الكتاب لا يطلب مني أن أعمل أكثر، بل يدعوني أولًا إلى أن أنظر إلى الأشياء التي أعملها بطريقة مختلفة.

أن أتوقف قليلًا عن سؤال: كيف أنجز هذه المهمة بسرعة؟، وأسأل بدلاً منه: هل هذه المهمة تستحق أصلاً أن تكون ضمن الأشياء التي أعطيها أفضل وقتي؟ ولتقييم وضعنا الحالي بصدق، يقدم لنا الكاتب أداة أسماها بوصلة الحرية (Freedom Compass). وأكثر ما أحببته في هذه التسمية هو كلمة "بوصلة"، لأنها لا تمشي بدلاً منا، ولا تختار الطريق نيابة عنا، لكنها تساعدنا على معرفة الاتجاه الذي ينبغي أن نوجه إليه وقتنا وطاقتنا.

تعتمد هذه البوصلة على معيارين أساسيين: الشغف (Passion) والكفاءة (Proficiency). السؤال الأول هو: هل أحب هذا العمل؟ هل يمنحني طاقة حقيقية؟ هل أشعر بالاندماج وأنا أقوم به؟ وهل أشعر بأنني أريد العودة إليه مرة أخرى؟ أما السؤال الثاني فهو: هل أنا جيدة فعلًا في هذا العمل؟ وهنا لا يتعلق الأمر بمجرد امتلاك موهبة أو اهتمام، بل بأن تتحول المهارة إلى نتائج ومساهمة حقيقية يمكن للآخرين ملاحظتها وتقديرها.

وعندما نضع الشغف والكفاءة معاً، تبدأ الصورة بالوضوح، وتظهر أمامنا أربع مناطق مختلفة تحدد علاقتنا بالمهام التي نقوم بها. منطقة الأعمال المرهقة (Drudgery Zone) هي المهام التي لا أحبها ولا أجيدها، ولذلك أشعر بأنها عبء ثقيل يستنزف طاقتي. والجميل في هذه الفكرة أن ما أكرهه أنا قد يكون في منطقة الرغبة لشخص آخر؛ فالمهمة ليست سيئة بالضرورة، لكنها ببساطة قد لا تناسبني.

ثم تأتي منطقة عدم الاهتمام (Disinterest Zone)، وهي منطقة خادعة جداً؛ لأنني أكون جيدة في العمل، وربما يمدحني الآخرون عليه، لكنني في داخلي لا أحبه. وهنا قد أستمر في القيام به لمجرد أنني أجيده، رغم أن الاستمرار فيه قد يستنزفني بمرور الوقت. أما منطقة التشتت (Distraction Zone)، فهي عكس ذلك تقريباً. هنا أحب الشيء وأستمتع به، لكنني لا أجيده بما يكفي. وقد تكون هذه المنطقة مخادعة أيضاً، لأن متعتي في العمل قد تمنعني من ملاحظة أن مساهمتي فيه ليست بالقوة التي أتصورها.

ثم نصل إلى منطقة الرغبة (Desire Zone)، وهي المنطقة التي تبدو وكأنها "الشمال" في هذه البوصلة. هنا يلتقي الشغف بالكفاءة؛ أحب ما أفعله، وأجيده في الوقت نفسه. وهنا أستطيع أن أقدم أفضل ما لدي، وأنجز أعمالاً ذات قيمة عالية، وربما في وقت أقل أيضاً، مما يترك لي مساحة أكبر لبقية جوانب حياتي.

وإلى جانب هذه المناطق الأربع، يفتح الكاتب مساحة أخرى مهمة هي مساحة التطوير (Development Zone). وهي ليست منطقة ثابتة مثل المناطق السابقة، بل مساحة للأشياء التي ما زلنا نتعلمها ونختبر علاقتنا بها. فقد يكون هناك شيء لا أجيده الآن، لكنني أتعلمه، أو شيء لم أكتشف بعد علاقتي الحقيقية به، وربما تتغير نظرتي إليه مع التجربة والممارسة.

وهذه الفكرة تحديداً أعجبتني؛ لأنها تذكرني بأن علاقتنا بالأشياء ليست دائمًا ثابتة. ما لا أجيده اليوم قد أصبح جيداً فيه بعد أشهر من التعلم، وما أظن أنني أحبه اليوم قد أكتشف أنني لا أريده عندما أقترب منه أكثر. نحن نكتشف أنفسنا أيضاً من خلال التجربة. لكن أكثر ما بقي معي من هذا الفصل هو إدراك أن الإنتاجية ليست سباقاً لإضافة المزيد، بل قد تكون أحياناً في الحذف.

نحن نميل، عندما نشعر بالتعب أو التأخر، إلى البحث عن طريقة لإنجاز المزيد، بينما ربما يكون السؤال الأهم هو: ما الذي يمكنني التوقف عن فعله أصلاً؟ ماذا لو كانت بعض المهام التي تملأ يومي لا تحتاج إلى أن أقوم بها أنا؟ ماذا لو كان بعضها يمكن تفويضه، أو أتمتته، أو ببساطة حذفه؟ وماذا لو كانت الساعات التي أبحث عن طريقة لزيادتها موجودة بالفعل، لكنها تضيع في أماكن لا تقدم لي القيمة نفسها؟

ذكر الكاتب أمثلة لأشخاص استطاعوا تقليل ساعات عملهم بشكل كبير بعد أن بدأوا في إعادة النظر في المهام التي يقومون بها، وتحديد ما يقع منها خارج منطقة الرغبة لديهم، ثم التعامل معها بطريقة مختلفة. وهنا بدأت أفهم الإنتاجية بطريقة مختلفة قليلاً. الإنتاجية ليست أن أفعل كل شيء، وليست أن تكون قائمة مهامي مليئة بعلامات ، وليست أن أكون مشغولة طوال اليوم.

ربما الإنتاجية الحقيقية هي أن أتعلم كيف أوجه وقتي وطاقتي نحو المكان الذي يمكنني أن أقدم فيه أفضل ما لدي، وأن أترك مساحة في حياتي للأشياء الأخرى التي أحبها أيضاً. لذلك، قبل أن أفتح دفتر التخطيط لأكتب قائمة مهام طويلة، أريد أن أتوقف قليلًا وأسأل نفسي: أين تقع هذه المهمة في بوصلة الحرية؟

هل أحبها وأجيدها؟ هل أحبها لكنني ما زلت أحتاج إلى تطوير مهارتي فيها؟ هل أجيدها لكنني لا أحبها؟ أم أنها مهمة لا أحبها ولا أجيدها؟ وربما يكون السؤال الأجمل الذي يمكن أن نأخذه معنا من هذا الفصل: ما الذي يستحق فعلاً أن أعطيه وقتي وطاقتي؟

والآن، يا أصدقاء، أريد أن أترك لكم هذا السؤال أيضاً. لو فتحتم قائمة مهامكم الآن، فما أول مهمة ستكتشفون أنها تنتمي إلى "منطقة الرغبة" لديكم؟ أم أنكم ستكتشفون، مثلي، أن هناك أشياء كثيرة ننجزها فقط لأننا اعتدنا على إنجازها؟ شاركوني أفكاركم في التعليقات، ولنكمل هذه الرحلة معاً، فصلاً بعد فصل، وفكرة بعد فكرة. 

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقويم نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

منظم شهري 2026 مجاني (PDF): لنكمل ما بدأنا

جدول تتبع الصلاة للأطفال