هل نركض كثيراً لنبقى في المكان نفسه؟ | وهم الانشغال والتخطيط المرن

مرحباً يا أصدقاء.

هناك لحظة أعرفها جيداً؛ تلك اللحظة التي تأتي في نهاية يوم طويل، حين أفتح قائمة المهام التي كتبتها في الليلة السابقة أو في الصباح، وأبدأ بتذكر كل ما فعلته خلال اليوم. أتنقل من مهمة إلى أخرى، أجيب عن هذا الأمر، وأنهي ذاك، وأرتب شيئاً هنا وأتابع شيئاً هناك… ومع ذلك، حين أنظر إلى يومي كاملاً، أشعر بشيء غريب: لقد كنت مشغولة طوال اليوم، لكن أين ذهب كل ذلك الوقت؟ ربما مررتم بهذا الشعور من قبل؛ أن ينتهي اليوم وأنتم متعبون، بينما لا تستطيعون تحديد شيء واحد يجعلكم تقولون بثقة: " نعم، أنجزت شيئاً مهماً اليوم ".

أفكر في هذه الحالة أحياناً باعتبارها «الركض في المكان». نتحرك كثيراً، نبذل طاقة كبيرة، ونبقى في النهاية تقريباً حيث بدأنا. وهذا يعيدني دائماً إلى مشهد أحبه من قصة «عبر المرآة». تمسك الملكة الحمراء بيد أليس وتركضان بأقصى سرعة، حتى تكاد أنفاسهما تنقطع. لكن عندما تتوقفان، تكتشف أليس أنهما لم تتقدما خطوة واحدة. كل ما حولهما بقي في مكانه. عندها تخبرها الملكة أن عليها أن تركض بأقصى ما تستطيع فقط لكي تبقى في المكان نفسه.

دفتر ملاحظات مفتوح بجانبه قلم ونظارة وزهور وردية وأدوات كرافت، في مساحة هادئة للتخطيط اليومي وتنظيم المهام.

أليس هذا ما يحدث لنا أحياناً؟ نحن لا نتوقف عن الحركة. ننتقل بين المهام، والإشعارات، والمواعيد، والأمور الصغيرة التي تبدو ضرورية في لحظتها. لكن كثرة الحركة لا تعني دائماً أننا نتقدم. ولهذا بدأت أرى التخطيط بطريقة مختلفة. ربما لا نحتاج دائماً إلى إضافة المزيد إلى أيامنا، بل نحتاج أحياناً إلى التوقف والنظر إليها من جديد.

قبل أن أبدأ أي قائمة جديدة، أحب أن أسأل نفسي: ما الشيء الذي يستحق طاقتي اليوم فعلاً؟ السؤال يبدو بسيطاً، لكنه ليس كذلك دائماً. فنحن معتادون على اعتبار اليوم الجيد هو اليوم الممتلئ بالمهام، وكأن وجود عشر خانات مشطوبة في نهاية القائمة دليل كافٍ على أننا أحسنّا استخدام وقتنا. لكن ماذا لو كان الإنجاز الحقيقي أحياناً هو أن نترك بعض الخانات فارغة؟

تعلمت شيئاً مشابهاً عندما أمضيت شهراً كاملاً تقريباً في إعادة ترتيب غرفة الكرافت الخاصة بي. في البداية، كنت أظن أنني أرتب الأدوات فقط. أفرز أوراق السكراب بوك، وأجمع الأدوات المتشابهة، وأضع كل شيء في حاوية تناسبه. لكن مع مرور الوقت، اكتشفت أنني لم أكن أرتب الغرفة وحدها. كلما تخلصت من شيء لا أحتاج إليه، شعرت أن مساحة صغيرة قد فُتحت في رأسي أيضاً. وكلما أصبح المكان أكثر هدوءاً، أصبحت أفكاري أكثر وضوحاً. لم يعد عليّ أن أبحث وسط الفوضى عن الشيء الذي أريده، ولم تعد كل تلك الأشياء المبعثرة تستحوذ على جزء من انتباهي.

وقتها فكرت: ربما تحتاج أيامنا إلى هذا النوع من الترتيب أيضاً. نحن لا نحتاج فقط إلى تنظيم ما سنفعله، بل إلى معرفة ما يمكننا الاستغناء عنه. أن نقول «لا» لمهمة ليست ضرورية. أن نؤجل شيئاً لا يحتاج إلى أن يحدث الآن. أن نترك مساحة فارغة في اليوم بدلاً من أن نشعر بالذنب تجاهها. وأن ندرك أن الراحة ليست مكافأة نحصل عليها بعد أن ننتهي من كل شيء؛ لأننا، بصراحة، لن ننتهي من كل شيء أبداً.

وعندما نخفف ما لا نحتاج إليه، يصبح من الأسهل أن نرى ما يستحق اهتمامنا فعلاً. هنا يأتي العمل الهادئ. بدلاً من التنقل المستمر بين مهام مختلفة، يمكننا أن نجمع الأشياء المتشابهة، ونمنح كل مهمة مساحة من التركيز الحقيقي. لا إشعارات تقطع الفكرة، ولا انتقال مستمر من شيء إلى آخر، ولا شعور بأن علينا أن ننجز كل شيء في اللحظة نفسها. ربما عندها فقط نكتشف أن المشكلة لم تكن دائماً في قلة الوقت، بل في الطريقة التي كنا نوزع بها انتباهنا.

في النهاية، بدأت أؤمن أن التخطيط الجيد لا يعني أن نملأ كل دقيقة من يومنا، ولا أن نخرج منه بقائمة طويلة من المهام المشطوبة. التخطيط بالنسبة لي أصبح أقرب إلى ترتيب غرفة الكرافت: أن أعرف ما الذي أريد الاحتفاظ به، وما الذي يمكنني الاستغناء عنه، وأين أضع الأشياء التي تستحق أن أراها بوضوح.

فليس كل انشغال تقدماً، وليس كل يوم هادئ يوماً ضائعاً.

وربما قبل أن نسأل أنفسنا: «ماذا أنجزت اليوم؟» يجدر بنا أحياناً أن نسأل سؤالاً أبسط: هل كنت أركض طوال اليوم، أم أنني كنت أتقدم فعلاً؟

فلنتعاهد إذن أن نجرّب هذا الأسبوع أن نكون أكثر مرونة مع خططنا، وأن نترك لأنفسنا مساحة صغيرة للتغيير. وربما، مع الوقت، سنكتشف أن التخطيط بمرونة لا يغيّر أيامنا فقط… بل يغيّر أيضاً الطريقة التي نرى بها أنفسنا .

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقويم نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

جدول تتبع الصلاة للأطفال

منظم شهري 2026 مجاني (PDF): لنكمل ما بدأنا