الأشياء التي نرتّبها… ترتّبنا أيضاً

مرحباً يا أصدقاء،

أبريل هذا العام لا يشبه الربيع. أمطار لا تتوقف، ورياح تقرع النوافذ كأنها تريد الدخول، وسماء رمادية نسيت كيف تبتسم. كنت أجلس وأنظر للخارج وأفكر: لماذا يصعب على البشر أحياناً أن يُسلّموا، أن يتركوا شيئاً يرحل ويأتي بديله؟ الشتاء لا يريد أن يترك مكانه للربيع، وأنا أيضاً مررت بفترة لم أستطع فيها أن أترك الأشياء تستقر.

هرة أوركيد بنفسجية أنيقة خلف نافذة ممطرة في شهر أبريل - رمز للهدوء النفسي وتنظيم غرفة الكرافت في مدونة أمنيات أيار

كنت أتوقع رمضان هادئاً كالعادة، طقوس ثابتة، وقت للتأمل، شعور بأن الأيام تسير بنظام ما، لكنه لم يكن هكذا. كان هناك ثقل في الهواء، ظروف لا تُتجاهل وأخبار لا تُنسى، ذلك النوع من الضغط الذي لا تستطيع أن تضعه جانباً وتكمل يومك كأنه غير موجود. كنت أحمله معي من غرفة لأخرى، حتى وجدت نفسي في إحدى الليالي واقفة أمام باب "غرفة الكرافت".

فتحتُ الباب ووقفت. على الطاولة أوراق متداخلة تتشاجر مع بعضها، وعلى الرف أدوات وضعتها "مؤقتاً" منذ أشهر ونسيت، وعلى الأرض صندوق كنت أعرف أن فتحه يعني وقتاً وقرارات لا أملك طاقتها الآن. نظرت للغرفة ثم نظرت لداخلي، وكانتا متطابقتين تماماً. قلت لنفسي بهدوء: "سأبدأ بزاوية واحدة فقط، ثم أرى."

بدأت. رائحة الورق القديم ملأت المكان، وأصابعي تمر على أقلام جفّت وأوراق لمشاريع بدأت ولم تكتمل. الزاوية الأولى انتهت، ثم الرف، ثم جاء دور الصندوق. وفجأة وجدت نفسي جالسة على الأرض وسط كل هذا، أنظر حولي وأشعر بإرهاق حقيقي. الفوضى التي أخرجتها من الأرفف كانت الآن أمامي كلها دفعة واحدة، وبدت أضخم مما توقعت.

فكّرت جدياً أن أغلق الباب وأعود غداً.. توقفت، لأن هذا الإحساس بالتحديد، هذا الإغراء بإغلاق الباب حين يكبر الشيء أمامنا، هو شيء نعرفه جميعاً، ليس في الغرف فقط، بل في كل شيء نبدأه في حياتنا. لكنني لم أغلق الباب.

قررت ألا أتسرع هذه المرة. كل يوم شيء واحد فقط، زاوية واحدة، صندوق واحد، قرار واحد. وبدا لي شيئاً غريباً؛ كل مرة أضع فيها شيئاً في مكانه الصحيح، كنت أشعر بشيء في داخلي يستقر هو أيضاً، كأن الغرفة والرأس يتشاركان نفس المساحة.

انتهى رمضان وانتهت الغرفة معه، لكن ما بقي معي لم يكن مجرد رف مرتب، بل شعور هادئ بأن الأشياء تعود لمكانها حين تمنحها الوقت. الفوضى جزء طبيعي من أي حياة حقيقية، تماماً كأمطار أبريل التي لا تستأذن. المشكلة ليست في وجود الفوضى، بل في اعتقادنا أن وجودها يعني أن شيئاً فينا خطأ.

ليس خطأ.. أنت فقط تمر بفترة تحتاج فيها لبعض الوقت والزوايا الصغيرة. ابدأ بشيء واحد صغير اليوم؛ درج، فكرة على ورقة، موعد أجّلته. أنهِه ليس لأنه سيغيّر كل شيء، بل لأنك ستتذكر أنك قادر على أن تُنهي ما تبدأه، وهذا في الأوقات الثقيلة.. يكفي.

متى كانت آخر مرة رتّبت فيها شيئاً صغيراً وشعرت أن داخلك يهدأ؟

تعليقات

  1. سلام للغالية....بوركتي على المقال...صدقتي الاشياء التي نرتبها ترتبنا فعلا سلوك أحاول أن أثبت عليه من فترة ...نسأل الله الهداية والسداد والثبات...والتوفيق أسعد الله أيامك صديقتي 🌷

    ردحذف

إرسال تعليق

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تقويم نوفمبر/ تشرين الثاني 2025

جدول تتبع الصلاة للأطفال

منظم شهري 2026 مجاني (PDF): لنكمل ما بدأنا